الاثنين، 10 أغسطس 2009

هيام ولعت في نفسها

منظر فظيع بالنسبة لأي شخص, لكن أنا كنت طفلا في الثامنة يدوب باتحرك في المنطقة وأدخل من الشارع للحارة أجيب لوازم الغدا أو العشا, كانت الساعة حوالي ستة, كان لسه عم عليّ مخلص آذان المغرب في جامع الأنصاري, تضغط يدي على الطبق الصاج الأخضر, والشنطة القماش الصفراء, والناس تتدافع في اتجاهين, البعض يهرب, والبعض الآخر يتجه إلى مكان الحدث, ولكن الحدث نفسه أتى إليهم مشتعلا مندفعا صارخا لايعرف إلى أين يمضي بكل هذه النار التي تلتهمه, هيام ولعت في نفسها, كانت النسوة يصرخن وقد تشنجت ملامح وجهون كأنهن يتحركن داخل مرآة رمادية صدئة, والمرأة المشتعلة تخرج من البيت الضيق الخانق إلى مراد ثم تنحرف في اتجاه البوستة القديمة وكأنها تبحث عن الطريق إلى النيل, فجأة يقفز عم صافي من الدور الأول حاملا بطانية صوف قاتمة خشنة, يحتضن الكتلة النارية ويسقط بها على الأرض في التراب, تصارع يداه النار التي امتصتها خشونة البطانية, يحملون هيام لمستشفى الموظفين, ويحضرون الماء لعم صافي الذي يتساءل: مين راح مع البت الغلبانة دي؟ كلهم, كل الستات يا صافي, نفض بس هدومك واشرب شوية مية, مش حتعيش, البنت اتشوهت يا محمود الله يحرق اللي كانوا السبب, معلهش ياصافي, أمها غلبانة حتعمل إيه ست بنات ودي الكبيرة, جوزتها للقهوجي, كل يوم يجيب صحابه الحشاشين الله يلعنهم والبت تخدم عليهم ويقرفوا فيها, زهقت يا ولداه, أسمع الحديث, ويدي ترتعش وأكاد أشعر بالوهج يخترق عيني, وصورة هيام الحائرة بنارها تقتحمني, أصل إلى محل أبو رونجي أقدم لرونجي الطبق والقروش, فيقول جبنة ومش, أهز رأسي, يقول لي تعدي عليّ بكرة نروح المدرسة مع بعض أهز رأسي, يقول أنت شفت الست المحروقة, أهز رأسي, يقول الله يرحمها بقى أبويا قال حتموت زي سنية اللي حرقت نفسها في الصيف, أنظر إلى الحقيبة الصفراء وأقول له عندك عيش, يقول لأ, خليك هنا ثانية أجيبه لك من الفرن اللي ورانا نار.

هناك تعليقان (2):

  1. الله .. جميلة برده دي ..

    رغم إنها فيها خط السير العااادي جداً لأحداث عادية ممكن تكون عدت على كتير .. لكن بتحس فيها بمتعة بتوصلك .. مش قادر افسر ده .. لكن ده يدل على قلم مبدع ..

    عجبتني .. الله ينور

    ردحذف
  2. ربنا يخليك يا محمود أنت تمتلك قلما متصلا بشريان في القلب لأنك صادق وإحساسك في منتهى الرقي

    ردحذف