الأحد، 16 مارس 2014

كرسي وقهوة زيادة س. م. السيد


كرسي وقهوة زيادة
س. م. السيد
المرأة التي غلبت النيران
وسط صخب النرد وصيحات اللاعبين وحسابات المغادرين وطلبات القادمين وحفيف أوراق شجرة تحتفظ ببقايا كبرياء أخضر لم يخل من صفرة الوهن، تستند إلى جذعها البني الوقور، مطلة على رواد المقهى من بيتها الأسمنتي الرمادي كأم تنظر من نافذتها العريقة إلى أبنائها الذين يلهون في الطرقات، أرى فحيح النار البرتقالية الصارخة المتدرجة من الأحمر إلى الأسود يأتي من بعيد تطلقه امرأة عجوز من فمها الأهتم بعد أن تغمس الشعلة في صفيحة جاز داكنة تمسك بها ابنتها التي تردد كلام كل سهرة داعية رواد زهرة البستان لمشاهدة المرأة التي غلبت النيران، تتعلق بها عيون زرقاء في وجوه بيضاء ورؤوس شقراء أتت من أقصى الشمال لترى معجزة شرقية رسم الزمان على وجهها خطوطا كمعبد فرعوني لن يكتشف الأثريون تاريخ نشأته أبدا.

دخان زهرة البستان

لما قابلت صاحبي خالد على زهرة البستان بعد سنين، سألني: في أخبار عن "ج" التي كانت ترتدي علم مصر يوم عرضنا لمسرحية المدرسة؟

أبديت ايتسامة شاحبة.. وتعلقت دمعة في قلبي.. وهززت رأسي بالنفي.. ولم أقل له إنني كدت أسأله السؤال نفسه..

الأربعاء، 30 مارس 2011

أخبار المجنون: االه يخرب بيتك يا "أبو ليلى"

الله يخرب بيتك يا "أبو ليلى"







كان شاب محترم.. اللي في قلبه على لسانه.. ما يعرفش اللوع ولا الكدب ولا اللف والدوران.. ابن ناس.. من بيت كرم.. مع شوية تدليل.. كان حاسس بنفسه.. وعايز الدنيا كلها تحبه.. اللي في إيده مش ليه.. فلوسه رايحة على صحابه والغلابة والمجتمع والناس.. كان عاطفي قوي.. لو شاف عصفورة جريحة قلبه يوجعه.. لو قرب من عيل صغير لازم يطبطب عليه.. ولو شاف واحدة حلوة ممكن يجاملها بييتين شعر عل الماشي.. لكن لما شاف الآنسة ليلى نسي الدنيا كلها.. لقى في عينيها عالم تاني.. سبحان الله.. هو اللي شاف كتير وقليل يحصل له كده.. ولإنه صادق جدا وشفاف جدا ومخلص جدا ونفسه الناس كلها تعرف مشاعره وياريت تحس بالجمال زي ماهو بيحسه.. كتب لها شعر.. كان فاكر إنه بيعمل أهم حاجة في حياته.. وإن الناس كلها حواليه حتفرح بالكلام ده وتقدره.. كان واثق إنه بيعبر عن كل شاب مقبل على الحياة وعايز يبني العالم على حب وخير.. كان بيدعي ربنا يخلي الناس كلها سعيدة بتحب الدنيا بحالها وشايفة أحلى مافيها من أسرار.. صاحبنا عبر عن نفسه وقال كل اللي جواه.. لكن إزاي.. في حد عاقل يقول هو حاسس بإيه؟.. في واحد ناصح يكشف اللي جواه؟.. الناس تتكلم عن المصارحة والصدق والحقيقة.. لكن كلام.. ولما واحد يتحط في موقف.. إنسى.. لازم يخبي ويلف ويدور.. لو بنتكلم على واحد وبنسب ونلعن فيه.. وفجأة دخل علينا.. تلاقي اللي قاعدين اتكتموا.. وبعدين واحد منهم بجح قال وهو حاطط عينه في عين الرجل اللي كان بيشتمه "يا سلام.. دا أنت ابن حلال مصفي.. كنا لسه حالا جايبين في سيرتك بالخير.." المهم إن صاحبنا قيس اتكلم.. ودي مصيبة إن الواحد يتكلم ويقول اللي في قلبه.. ثم الراجل قصده شريف.. وحيدخل البيت من بابه.. لكن إزاي..؟ الكلام وصل عند عم "أبو ليلى".. وراسه وألف مركوب إن الواد مايتجوَز البت.. وقالها له صراحة هو وأهله لما جم يخطبوها.. مع إن أهل قيس أغنى ألف مرة.. والواد قيس تتمناه ألف واحدة.. وعمر ما خطر في بال ليلى وأبوها أنه ييجي مع أهله يخطبوها.. والأدهى إن أبو ليلى قرر يجوز البت لأول واحد يتقدم لها نكاية في صاحبنا اللي اتجرأ وعبر عن نفسه.. طبعا قيس اتجنن.. ومخه فضل يروح وييجي كأنه في خلاط.. طيب وأنا غلطت في إيه.. هو حرام الواحد يقول الحقيقة.. هو حرام الواحد يتكلم باللي في نفسه.. مع إني عمري ما فكرت في حاجة حرام لا سمح الله.. أنا عايز أبني حياتي على الحب والمودة والرحمة.. طب أعمل إيه..؟ لكن في حاجات في أخلاقيات القبيلة ما يصحش تتقال ولا تتغيَر بسهولة.. يعني لازم شيخ القبيلة يفضل شيخها مدى الحياة ويجدد لمدد لا تعد ولاتحصى وكل استفتاء أو انتخاب تكون نتيجته 99في المية على الأقل.. ولازم يكون في امتحان ثانوية عامة معقد وحد يرمي نفسه في البحر عشان معرفش يجاوب ولازم يكون في مكتب تنسيق يوديك في حته مش عايزها.. ولازم ورق الامتحان في الجامعة يتدبس ونعمل له كنترول والأساتذة والدكاترة بدل مايشتغلوا في البحث يدخلوا يفرزوا الورق.. ويعدوا ويشيلوا ويربطوا.. وياخدوا الورق المدبس بسبع دبابيس بتوع عدوية عل البيت عشان لما يرجعوا الورق نجيب دكاترة تانيين نهد حيلهم يفكوا الدبابيس ويرصدوا ويرجعوا يشتغلوا عتاليين وهما غلابة ومش شايفين لأن نظرهم راح من أيام الدكتوراة اللي المشرف كان بيحدفها في وشهم عشان شكلهم مش عجبه.. ما علينا.. في حاجات كتير كده.. اتورثت كده.. وأوباما أصله ما يفهمش ثقافة المصريين اللي عندهم مازوكية وبيحبوا الشكوى أكتر من عيالهم.. وتقاليد القبيلة لازم تصير.. وكلام "أبو ليلى".. لازم يمشي.. ولأن قيس لم يقف ويقول "مش حامشي.. أبو ليلى يمشي".. ولأنه لم يفهم ثقافة القبيلة.. اتجنن.. وآخر ما قاله في البيداء وهو يتذكر ليلى.. لم يقله لليلى وإنما قاله لأبوها "روح الله يخرب بيتك بحق ما جننتني".






الأربعاء، 10 فبراير 2010

أوراق ياسمين

سمراء جذابة قصيرة نحيفة كلاسيكية الزي شديدة الأناقة في حركتها شيء من التوتر وبعينيها ستدخل مكتبك وتقول لك إنها تكتب حاجات لا تعرف إن كانت شعرا أو قصصا أو نماذج متعددة تمر عليك.. أولاد وبنات.. ستكون فيض مراهقة يتخلصون فيها من الشحنة العاطفية العالية قبل أن تقذفهم الجامعة إلى دوامة تستهلك الطاقة والأعصاب ويصبح الحديث في المشاعر ترفا لا يقدرون عليه.. يأتون إليك بأوراقهم الساذجة البريئة الملتهبة التي ستنطوي مع سنوات الدراسة لتحل محلها أوراق قليلة صادرة من البنك تسمح بشراء "الدبلتين والإسورة" والإيجار والخضار وكعك العيد.. لكن لحظة التعارف تأتي من المحاضرة وهي ليست من طلبتك.. - أنا في أولى أسباني.. سألت الأستاذ مطر أمين المكتبة عن دكتور يفيدني ويقرأ ما أكتبه.. قال لي أن آتي إليك.. سألت زميلات وزملاء عن كتب لك وحصلت على بعضها.. وعرفت أنك تكتب أحيانا في مجلات أدبية وقرأت لك بعض المقالات. - أنت عملت عني بحث يا بنتي.. - لا أبدا.. لكن لازم أتعرف على حضرتك قبل ما أضيع وقتك.. أنا لا أستطيع التحدث مع أحد قبل أن أعرفه.. - على العموم رأيك يدل على شخصية ناضجة مع إنك في سنة أولى.. - مسألة النضج نسبية.. لا أحد ناضج مائة في المائة وإلا تصبح الحياة تجارب بلا معنى ولا هدف.. - لا.. رأيك أكبر من سنك فعلا.. - العقاد قال إنه يقرأ لأن حياة واحدة لا تكفيه.. أنا قرأت حاجات قليلة جدا بالنسبة لما أتمنى.. أنا نفسي أقرأ كل كلمة كتبها واحد تعب وشعر بالناس.. أنا دخلت أسباني لأني أعرف أنجليزي وفرنسي.. ولأني نفسي أشوف لوركا وماركيز وبورخيس وثيلا وكورتاثر في لغتهم.. وأسمع إيقاع الجملة الذي أحسوا به ويمكن ألمس منطقة جواهم ألهمتهم وطلعت منها هذه الكنوز.. - أنت متأكدة إنك في سنة أولى؟! - حضرتك.. أنا آسفة يعني.. ممكن تكون متسرع في الحكم بالنسبة لي.. أنا لست ناضجة أبدا.. أنا أشعر بمنتهى الأمانة إن أي بنت في المحاضرة والكافيتريا والباص أنضج مني بكثير.. أنا أكاد أكون بلا تجارب حقيقية.. يعني حبر على ورق.. عالم ذهني أخذته من بعض الكتب والروايات.. تذكرك كلماتها بالولد الذي كان يذهب من إمبابة إلى الزيتون يدخل كلية الألسن القديمة في شارع الأصبغ ويتجه إلى مدخل المكتبة ويقف وحيدا.. ينظر إلى ذاك الصخب اليومي المتكرر وتختلط في سمعه الأصوات وتتقاطع أمامه الألوان والأشكال.. يرى العالم كتلة واحدة كبيرة شديدة القوة والحيوية.. كرة من لهب تلف وتدور وتمتص كل ما يحيط بها.. كرة لذيذة تقترب منه تكاد تلمسه تلفحه حرارتها لكنها تتجاوزه لتنطلق بعيدا وتخرج له لسانها فلامكان له فيها.. يظن أن كل هؤلاء يعرفون بعضهم جيدا.. يجلسون معا في المحاضرات يتبادلون الهمس من وراء الدكاترة.. يحتسون المشاريب الساخنة والمثلجة مع المشاعر والأحلام.. يلتهمون الساندويتشات وهم يتبادلون نظرات ناطقة بمعاني كثيرة.. كأن في نفوسهم شموسا ذهبية تفيض نورا ونارا في أشعة حارة تطلقها عيونهم.. يذهبون إلى الرحلات فتتشابك أصواتهم وأياديهم وآمالهم ورغباتهم واحتياجاتهم وأحلامهم معا.. وأنت وحدك.. لا تعرف أحدا.. لا يعرفك أحد.. أربعة أعوام من الوحدة الباردة والصمت الكئيب.. آلاف الأعوام من الضغط العصبي الذي ستصاب به بعد ذلك ويظل مخلصا لك.. هذا ما كنت تشعر به.. وهذا ماذكرتك به ياسمين السمراء التي تجلس أمامك بلاموعد ولا معرفة سابقة بعد أن قرأت لك وسألت عنك لكي تسألك عن رأيك في خواطرها.. ستبدأ في الاهتمام وستقول في نفسك لعلها مشروع أديبة حقيقية ولم لا.. لقد خرج من هذا المكتب كتاب قصة ومترجمون ونقاد ومثقفون بجد.. بعضهم كان يترك محاضراته ليواصل الحديث الذي لا نهاية له على الرغم من نصيحتك وأنت ترسم ابتسامة تحاول أن تجعلها محايدة قائلا: "طيب احضر ونكمل الكلام آخر اليوم".. لكن ياسمين ستأتي بعد المحاضرات في آخر الأسبوع.. في سنة أولى يوم الخميس الساعة الواحدة والربع وفي سنة ثانية يوم الأربعاء الساعة الثانية والنصف.. وفي سنة ثالثة تعود للحضور يوم الخميس ولكن في الساعة الثالثة وفي سنة رابعة ستأتي يوم الأحد في الثالثة والنصف لأن إجازتها يوم الاثنين وعندها يوم الخميس لغة ثانية (تشيكي) للساعة الخامسة.. تدخل وعيناها تلمسان محتويات الحجرة بهدوء وحذر وكأنها تطبع صورة داخل ذاكرتها.. ثم تستقر النظرة على مكتبك.. ولا بد أن تضع يدها وترتب شيئا ما: الساعة.. حافظة المكتب.. بعض الأوراق.. وستبتسم بينك وبين نفسك وتقول إن هذه طبيعة الأنثى التي تجد نفسها في الاهتمام بتفاصيل المكان ومحاولة ترتيبه.. وستضحك هي ذات مرة عندما تلاحظ نظرتك تتابع حركة يديها التي تعيد صياغة مكتبك وتقول لك إن البنات أكثر إدراكا للتفاصيل, وإن التفاصيل هي العالم الحقيقي الذي يحيط بنا وإن الوهم يصور للبعض أنهم يرون أبعد مما يستطيع بصرهم وبصيرتهم وهؤلاء يحتقرون التفاصيل ولاينظرون إليها.. ستتذكر حينئذ أنك عشت ثلاثين عاما في شقتكم الصغيرة التي تطل على النيل.. لكنك لم تلاحظ أبدا متى يزيد هذا النهر الذي تراه يوميا ومتى ينقص.. لم تلاحظ المساحة التي تلمسها الشمس في بيتكم.. لم تلاحظ حركة امتداد الظل وهي تتهادى برفق حتى تغمر الشارع لتصل إلى الشاطىء.. لم تلاحظ عدد الأشجار التي تقع على رصيف البيت أو المطلة على النهر عند الرصيف الآخر.. هل أنت ممن لا يحفل بالتفاصيل؟! هل تظن أنك تنظر إلى أشياء بعيدة غائبة تتمنى أن تصل إليها؟! أو أنك لا ترى إلا ما في داخلك فقط سواء أكان واقعا أم وهما؟! ستحاول الاهتمام بالتفاصيل بعد ذلك.. وستنجح ياسمين في إعادة ترتيب مكتبك.. وستعيد معها "أحاديث جيهان" من جديد.. تعيش حالة التوهج الدري الذي يحيل الكلمات ثريات متلألأة في قصور كلاسيكية رائعة حافلة بالموسيقى والأميرات والنبلاء.. ستعطيك أوراقا كثيرة وستقرأ فيها كلمات بعضها لن تنساه: "الولد الذي يراني يرسم صورا لا تشبهني وينثر فيها بعض ملامح واهمة وحرفا من اسمي يحكي عني لرفيق لا يعرفني فيمد جسور الغربة بين الصمت الحائر والصوت المخنوق حين يراني رفيقه يستجمع خيطا من قلب الحدوتة تلمسه عصاتي السحرية فيغدو مرآة للأشجان" ستناقشها وهي في سنة رابعة في هذه الورقة بالتحديد.. وستقول لها إن الفكرة عميقة جدا.. وإن الآخرين يرون منا مساحات ضئيلة جدا.. وإن الرؤية الحقيقية ربما نأخذها من الرمز.. من الكلمة.. ستقول لها إن التجربة معقدة والمعاني فيها متداخلة لكن الصياغة قلقة تحتاج إلى تبسيط وانطلاق ومصاحبة لإيقاع أكثر حيوية.. تعرض عليها بدائل في الصياغة.. تقول لك كما قالت دائما.. إن هذه الكلمات هي النص ولا يمكن التصرف فيها لقد انتهت التجربة هكذا.. وحضرتك لو ستغير لفظا ستصنع نصا آخر, ثم تبتسم عيناها بشيء من المكر وتضيف "ممكن حضرتك تكتب قصيدة جديدة عليها اسمك هو حضرتك ناقد فقط؟ يعني لم تجرب شعور المبدع وتجاربه وحالاته؟ أكيد حضرتك حاولت زمان, لأن أي ناقد حقيقي يفهم الإبداع ويلمس روح النص لا بد أن تكون له محاولات إبداعية".. تقول لك إن الناقد لا يمكنه فرض رؤيته داخل النص الذي يتناوله وإنما يفرضها في نصه هو, يعني يملك حق التفسير والتأويل وطبعا هذا يكون في نص جديد عليه اسمه, ولا يمكن لأحد أن يملك حق الاستيلاء على النص", تضحك قائلة "يعني الناقد يتكلم في الشكل والمضمون لكن ممنوع اللمس", ثم تضيف بجدية "رأي القارئ مهم جدا للكاتب ممكن يسعده أو يتعبه وممكن يفيد منه في عمله الجديد".. أنت متأكد الآن أنها أديبة بجد.. سيكون لها اسم ومكانة في عالم الأدب.. ولكن لا بد أن لديها تجربة كبيرة مع الكلام, لا بد أن أحدا تبناها قبلك من المستحيل أن تكون كل هذه الآراء ذاتية الصنع..ستسألها: - بصراحة يا ياسمين.. في حد وجهك.. فهمك.. قال لك ما الأدب وكيف نقرأ وكيف نكتب وساعدك في تكوين هذه الشخصية؟! - حكاية الشخصية هذه أنا غير موافقة عليها خالص.. أنا مازلت في مرحلة التكوين.. عارف حضرتك أنا لم أقرر بعد ماذا سأفعل مع إننا أوشكنا على التخرج.. يمكن أعمل في الإعلام أو الترجمة ويمكن أغير مساري تماما.. ويمكن.. يعني يمكن أتزوج وأتفرغ لأسرتي.. لكن بالنسبة لمن وجهني فعلا فهو جدو منير.. - والد ماما؟ - لا.. يعني هو في منزلة جدي.. جدو منير صديق جدي حسين والد ماما جدا.. كانا معا في الدراسة.. تخرجا في الفنون التطبيقية وسافرا لإنجلترا بعد الحرب العالمية الثانية على طول.. حصلا على الماجستير وتزوجا من شقيقتين إنجليزيتين.. يعني هو قريبنا أيضا.. لما عادا أخذا شقتين في عمارتين متجاورتين.. أنا ساعات أكلمه من الشباك.. وساعات يحدف لي بعض الكتب أو شرايط الموسيقى الكلاسيك.. هو أصله مثقف جدا.. كان يعزمنا على الأوبرا والمعارض ويشرح لنا الموسيقى واللوحات.. ولما مات جدي حسين لم يعد له غيرنا.. - وزوجته..؟ - زوجته ماتت قبل جدي حسين بسنة كان عمري وقتها عشر سنوات.. كان يحبها جدا.. ودائما كان يعاملها بمنتهى الذوق.. لازم ينزل يفتح لها باب السيارة ويمسك يدها وكانا يذهبان معا مرة كل أسبوع إلى "الميريلاند".. ولم يخرج من أزمته إلا بمساعدتنا.. أصبح يأتي إلينا ويدرس لي العربي والإنجليزي والفرنسي والفلسفة وعلم النفس.. جدو منير –الله يرحمه- كان موسوعة.. - هو مات وأنت في الجامعة؟ - بعد امتحانات سنة أولى.. هو الذي كتب معي الرغبات.. وعرف إني دخلت هنا.. وأهداني مجموعة كبيرة من مؤلفات أدباء أمريكا اللاتينية بالعربي والأسباني.. قال لي إنني في يوم من الأيام سأقرأ هذه الأعمال في لغتها الأصلية كما قرأ هو شكسبير وديكنز وبرنارد شو وإميل زولا وبلزاك وغيرهم.. وفعلا أنا قرأت أدباء أسبانيا وأمريكا اللاتينية بلغتهم.. - الظاهر كان يحب الأدب جدا..؟! - الظاهر والحقيقة فعلا.. على فكرة هو كان يكتب حاجات جميلة قوي لكن عمره ما اهتم ينشرها.. مرة واحدة فقط نشر له يحيي حقي قصة قصيرة على الرغم من اعتراضه.. أصل الأستاذ حقي كان صديقه وأصر على نشرها لأنه أعجب بها جدا.. كان جدو منير يقول إنها كتابات خاصة به وربما لا تفيد أحدا.. وإنه ليس تاجرا أو محبا للشهرة.. ساعات كنت أشفق عليه جدا.. وأرى أنه يحرم نفسه من حق له.. - شخصية غريبة.. - طبعا حضرتك ترى إنني متأثرة به.. عارف حضرتك هو طلب مني إلا أقلده في شيء.. قال لي إذا ظهرت موهبتك الحقيقية اسعدي بها وقدمي نفسك للناس.. - كلام صحيح.. - لكنه لم يفعل.. تفتكر حضرتك إنه كان يعذب نفسه بهذا الأسلوب التشاؤمي؟ أو إن عمله في الهندسة كان شاغلا له عن التفكير في احتراف الأدب؟ برغم إنه قال لي إن ظروف النشر كانت متاحة له لأن كثيرا من الأدباء والنقاد كانوا أصدقاءه.. - ممكن هذا وذاك.. ويمكن كانت عنده رؤية وقناعة إن كتابات أصدقائه هؤلاء أفضل منه ولا يستطيع تجاوزها فاكتفى بالكتابة لنفسه.. لكن شخصا ينشر له يحيي حقي بلا شك يستحق التقدير.. على العموم تجربته لم تذهب هباء يكفي إنك تلميذته وإنك أخذت منه حاجات كثيرة.. - لا أعلم هل سأكون تلميذته بالمعنى المباشر.. يعني أكون أديبة تحمل أفكاره أو أكون حاجة مختلفة مع احترامي لكل حاجة تعلمتها منه.. تفكر في الأستاذ منير, الرجل الذي أسس عقل ياسمين ومشاعرها.. وأنت ظهرت بعده مباشرة.. يزعجك هذا الخاطر.. هل كنت بديلا له..؟ هل أديت الدور نفسه..؟ هل كنت تحاول صياغة ياسمين من منظورك..؟ تصنع منها بنتا من بنات أفكارك..؟ المؤكد إن الأستاذ منير فعل ذلك.. لقد أصبح قدرك.. الرجل لعب دور البطولة.. وأنت الآن تعيش في الخانة التي تركها فارغة.. أنت لست سوى "الدوبلير".. هل هو غريمك المنتصر الذي لا يمكن أن تهزمه أبدا لأنه رحل بعد أن رسم ملامحها كما يريد.. أو هو علامة على دورك الذي سينتهي بالنسبة لها ليحل محلك آخرون لا تعرفهم وربما كرهك بعضهم دون أن يراك.. تغمض عينيك والصور تتلاحق.. جدو منير.. تقدمه لك ياسمين.. تراه الآن كما تخيلته.. طويلا جدا شعره أبيض غزير.. يرتدي بدلة كاملة.. تخترقك نظراته الساخرة.. "أرجو ألا تكون ياسمين قد أرهقتك معها, أنا عارف إنها عنيدة ولا يعجبها شيء.." يقول ذلك وهو ينظر إليك باستخفاف.. "أنا ثقفتها جيدا.. ليست كأبناء وبنات هذا الجيل السطحي.. أصل أنا رجل من أهل زمان.. ياما جلست مع توفيق الحكيم ونجيب محفوظ.. يحيي حقي كان صديقي.. كانت أيام يا.. أعذرني اسمك يضيع من بالي.. لا يهم".. يخرج منير مع ياسمين التي لا يشغلها وجودك على الإطلاق بعد ظهوره.. تتابعهما من بعيد.. يصلان لعمارتين متجاورتين تسلم عليه بحرارة ويصعد كلاهما إلى شقته.. تفتح ياسمين النافذة وتناديه.. تقدم له صينية الشاي "الكومبليه".. يعطيها قصصا جديدة ويحكي لها عن العظماء الذين يعرفهم.. وأنت طفل يبكي بين أطفال يدفعونه بعيدا ليواصلوا لعبهم.. منير يرمي الكوب الفارغ على رأسك.. يتناثر زجاجه حولك.. تدخل شظاياه في أقدام الأطفال الذين يصرخون في وجهك.. صراخهم يشتد.. ملامحهم تتغير.. يتحولون إلى قطط سوداء ورمادية بأنياب حمراء رهيبة.. تهاجمك وأنت تدفعها بيديك فتلتهم أصابعك, أنفاسها الملتهبة تلفح وجهك.. تكاد أظافرها الحادة تنغرس في عينيك.. تصرخ.. تصرخ.. تصرخ.. صديقتك الصغيرة التي صاحبتك في أيام الابتدائية تظهر في الصورة.. معها حقيبتها الخضراء.. تدور حولك بقوة فاردة يدها بالحقيبة في حركة تماثل راقص التنورة, تبتعد القطط ذليلة وتتضاءل حتى تتلاشى تماما, تأخذ جيهان يديك بين يديها تظهر أصابعك من جديد.. تقول لك بعتاب "أنا كل ما أسيبك دقائق تفترسك القطط الضالة بهذا المنظر.. خلي بالك من نفسك".. تمنحك الحقيبة الخضراء وتمضي.. تصعد وحدك سلم بيت الأسرة القديم.. تدفع الباب وتلقي نفسك على "كنبة" الصالة التي تتخذها مقرا لك.. تدخل والدتك القادمة من السوق وفي يدها المفتاح النحاسي الكبير.. تقول جملتها الأثيرة "لفيت القطر المصري كله وأنتم هنا.." تضع ساعاتها الذهبية الرقيقة التي لا تعرف أين ذهبت على "الترابيزة" الكبيرة بجوار "الراديو" القديم.. تخرج من حقيبتها قطع "الشيكولاته" المغلفة بلون الأفق السماوي الفاتح يشقه حصان أبيض قوي طموح جميل متناسق ينظر بنبل إلى المدى الذي يناديه.. "أنا عارفة أنك تحبها".. يصيح والدك "كفاك تدليلا فيه.. أسنانه تلفت من أكل الحلوى".. تتدخل زوجتك مؤكدة كلامه " ما خلاص أفسدته.. هو عايز ماما تعمل له كل حاجة وتحضر له كل ما نفسه وهو لا يفعل شيئا سوى الكلام مع البنات" زوجتك تدفع والدتك من باب الشقة الموارب.. تجري خلف أمك "أين ستذهب بعد أن فقدت الذاكرة.. ستضيع في الشارع يقذفها الأولاد بالطوب".. تجري لتلحق بها.. زوجتك تغلق الباب "هو أنت طول النهار في الشارع.. هو البيت لا حق له عليك".. "لكن أمي".. "أمك ماتت من زمان.. دخلت العناية المركزة وحضرتك واقف جنب السرير والدموع في عينيك لأجل الممرضة تعرف إن سيادتك رومانسي ومتأثر قوي.. يا أخي حرام عليك هو أنت ماشي تمثل على كل الناس إنك عاطفي.. ما عدا الست التي معك.. نفسنا في بعض العواطف التي توزعها على خلق الله.. حتى لو كانت كاذبة.. إلى متى سأتحملك؟!".. تخرج من الشقة لتجد قطة ضخمة شرسة في منتصف السلم.. عيناك ترى نور الشارع والقطة تحول بينك وبين المرور إليه.. تجد في يديك الحقيبة الخضراء تطوح بها في وجه القطة الرمادي الداكن فتبعد عنك إشعاع عينيها القاتل وتبتلع أنيابها الحمراء وتبتعد تدريجيا حتى تختفي.. تلمسك نسمة النيل الصيفية الليلية وأنت تمر بجوار مدرسة أحمد عرابي المضاءة.. لا يخيفك كوبري إمبابة الضخم الذي يقطع الأفق أمامك.. كنت تخافه زمان قبل أن تصعد مع إسماعيل إلى سطح العمارة الكبيرة الملتصقة بالمدرسة لتشاهدا معا المدفع الذي لا تعلم كيف صعد إلى هذا المكان لكي يحرس الكوبري أيام حرب الاستنزاف.. ترى نفسك مع إسماعيل وسحر وهشام وصديقتك الصغيرة تنظرون إلى عربات "الكارو" تجرها حمير بيضاء نشيطة قادمة من سوق روض الفرج الذي رحل الآن إلى مدينة العبور.. "هو السوق رجع تاني".. وتجد نفسك فوق الكوبري معها والقطار يمر بجواركما كله أطفال تلوح لكما بالأيدي الصغيرة والأنامل الرقيقة.. تسألك جيهان: - إلى أين سنذهب؟! - بيت الدكتور خورشيد هنا في طوسون سأذهب لأراجع معه "الماجستير" قبل ما أطبعها.. هل تأتي معي؟! - طبعا.. نفسي أشوف كل خطوة لم أكن معك فيها.. - بعدها نروح للدكتور عبد المطلب لأنه معجب جدا برسالتي للدكتوراه.. - الله.. أنت أخذت الدكتوراه من غير ما تقول لي.. لا.. أنا لازم أكون موجودة.. أروح معاك حالا.. - أنت كنت معي في الحلم يومها.. لكن عندك حق.. لازم في كل حاجة نكون مع بعض.. - ونرجع هنا مرة ثانية.. لازم نعيش هنا على طول جنب النيل والمدرسة وأصحابنا كلهم معنا.. تفتكر تأخرنا عليهم؟! - نرجع حالا.. ومعنا نسخ كثيرة من الماجستير والدكتوراه والكتب التي ألفناها معا.. - يعني أنا كنت معك وأنت تكتبها..؟! - طبعا.. - أنا لا أصدق.. كنت معك طول الوقت.. - طبعا.. وأنا كنت معك عندما كنت تعدين تحقيقاتك وتكتبين مقالاتك وتألفين مسلسلاتك..؟! - كنت أكتب سطرا وأناقشك ساعة.. ونختار معا العنوان.. نسجل عشرات العناوين في ورقة خاصة ونفكر في كل واحد منها.. وساعات نضع العنوان ثم نغير الموضوع كله.. لم تكن في حاجة إلى هذا السؤال يا هاني.. أنت أكيد عشت معي وفاكر لكنك تريدني أن أحكي حتى تسمع صوتي.. خلاص نقول من الأول.. تدوران بمرح طفولي والحقيبة الخضراء الصغيرة تثير أمواجا من النور الهادئ فتسمع صوت عم "أبو المجد" فراش المدرسة ووالد رأفت صديقك وزميلك أيام ما كان الفصل فيه ابن الفراش والمدرس والضابط والمدير والتاجر, وهو يؤذن الفجر ويدعو الله أن يعيد إليه ابنه الذي ذهب مع المفقودين في الخامس من يونيو, أو يعرف إنه استشهد فيستريح.. يضع يده على عينيه لكي لا ترى أنت ورأفت وجيهان وهشام وجميل ووفاء وإيناس وشريف ونبيل وفاروق دموعه ثم يفتح عينين صافيتين فيغمر النور المكان.. تدخل فصل خامسة أول وتجلس بجوار خالد وإسماعيل.. تراها أمامك وتتلاقي العيون وتبتسم لك.. تشكر الله وتستأذن من ميس "تحية" في صلاة الضحى بجوار المكتبة الصغيرة في آخر الفصل.. تأخذ سجادة الصلاة الناعمة الدافئة وتصلي بكل مشاعرك وجوارحك وتحمد الله أنهم هنا وأنها معك مثلما ستكون معك في كل مكان.. تنهض ويكون قلبك مسرورا ونفسك راضية وتذهب للكلية وأنت على يقين أن كل شيء سيكون جميلا وأن نتيجة سنة رابعة ستسعد كل تلاميذك ومنهم ياسمين التي ستدخل المكتب في زي شبابي جدا.. لم تعد ياسمين الكلاسيكية المنتمية إلى ستينيات القرن العشرين.. تصافحكم جميعا بود خالص.. وتقول "طبعا أنا تلميذتكم.. لكني الآن خريجة.. يعني ممكن أعزمكم على حاجة بمناسبة نجاحي.. أنا مجموعي التراكمي الحمد لله جيدا جدا.." تسألها إن كانت تنوي استكمال الدراسة فتضحك مستعيدة طفولة مفقودة: - حاليا لا يمكن.. أنا قررت أبعد عن الدراسة تماما.. - أكيد عندك مشروع عمل أو مشروع اجتماعي.. - لا توجد مشاريع اجتماعية إذا كنت حضرتك تقصد ارتباط فأنا لن أرتبط إلا بعد فترة أكون رأيت ناسا وعرفت حقائق في الحياة وقارنت بين أنماط من البشر.. حضرتك تعرف إن موضوع العقل عندي مهم جدا لازم من ارتبط به يكون ذكيا ومثقفا وعنده قدرة على الكلام والاستماع وهذه أمور صعبة اليوم فالشباب يريدون بنتا يفرضون عليها رأيهم لخدمتهم ولا يهتمون بمشاعر البنت أو عقلها.. أنا أشعر إنني لن أكون ناجحة في زواج لا يحترم شخصيتي وأفكاري ويمنحني الفرصة للمشاركة الكاملة في كل حاجة ويكون لي صوت ومساحة مهمة في حياة زوجي.. أنا أظن إني سأكون زوجة فاشلة جدا بمقاييس اليوم التي تسعى فقط لتحقيق كيان مادي فارغ لا يكاد أحد يعلم عن شريك حياته شيئا مما في نفسه.. المفروض أن المشاركة تصل لحد وحدة الحلم والامتزاج النفسي الكامل هذا هو السكن الروحي. - غريبة قوي.. - لماذا؟! - لأن كلامك كلام أدباء يا ياسمين.. - لن أكون أديبة متميزة إلا إذا عرفت العالم وهذا هو تفكيري في الفترة القادمة سوف أدرس الإرشاد وأعمل في السياحة سأقابل أنماطا من البشر والثقافات وأعرف ماذا يدور في عقول الناس وكيف يصنعون حياتهم أو تصنعهم الحياة. - يعمي ستكونين أديبة في إجازة.. - لا سأكون أديبة تحت التمرين الحقيقي الحيوي بعد ما أفدت من ناس صادقة ساعدتني وكان لها دور في تشكيل عقلي ومشاعري.. تتذكر الأستاذ منير فتخطف منك الكلمة: - ساعات الواحد يحس إنه اتولد من جديد.. لكن أنا اليوم أتيت لأخبر حضرتك بحاجة أرجو أن تسامحني فيها لأني فعلا أريد أن أحقق ذاتي دون أن أخسر الناس الذين أفدت منهم.. - بالتأكيد أنا أتمنى لك التصالح دائما مع نفسك.. تضع أمامك ظرفا أبيض كبيرا به أوراق كثيرة: - هذه أوراق جدو منير.. ممكن حضرتك تحتفظ بها أو تنشرها لو وجدت فيها ما يستحق إذا جاءت فرصة للنشر.. لكن لو سمحت افتحها الأول لحظة واطلع عليها.. تخرج الأوراق القديمة.. تصافحها.. شعر وقصص وبعض مقالات وخواطر تاريخها يبدأ من سنة 1940م.. وينتهي في.. هذه القصائد قرأتها ياسمين لك من قبل.. إنها من تأليفها.. تقول لها: - لكن القصائد الأخيرة.. - ليست لي إنها له.. كان يكتبها ويقول لي خذيها لك.. كنت أفرح بأن أظهر في صورة المبدعة.. كل الكلام الذي كنت أقوله لك كان كلامه.. في الشعر والنقد والحياة.. كنت أقول له رأيك فيما قرأته لك على أنه من تأليفي.. وهو كان ينتظر هذا الرأي.. أحيانا يقول لي عنده حق.. وأحيانا يبتسم ولا يتكلم.. لقد طلب مني بعض أعمالك وقرأها وله فيها رأي أيضا..هل أقوله لك ولا تغضب.. - طبعا.. - يقول إن أسلوبك جميل.. هو أجمل حاجة عندك.. لكن آراءك غير واضحة.. لست محددا.. - هذا رأي مهم جدا وسيفيدني كثيرا.. يمكن عنده حق.. - طول سنة أولى كنت حلقة وصل بينكما.. ولما جدو منير تعب كنت بجواره.. طلب مني الاحتفاظ بالأوراق.. قال لي خذي منها ما تريدين واكتبي عليه اسمك.. لم أعد أستطيع.. لقد سئمت اللعبة أو تجاوزتها.. يمكن يكون الأدب جميلا ومفيدا ويعرفنا على حاجات في أعماق الناس ويكشف لنا جوانب من حياتنا.. لكن الحياة أهم.. اللحظة أجمل.. أنا أريد أن أعيش اللحظة لا أن أتفرج عليها من الخارج ثم أفكر فيما لم أشارك فيه أو أبني أوهاما على أوهام وأقدمها للناس على أنها واقع وحقيقة.. الواقع اليوم أغرب من الخيال.. والناس تريد أن تعرف ما يحدث حولها فعلا لا أن تعرف ما يدور في خيال شخص مهما كان.. وربما يأتي يوم يعبر فيه كل واحد عن تجربته بنفسه وتصبح الناس كلها أدباء.. على فكرة أنا عملت مدونة واكتب فيها حاجات على قدي لكن فيها صور لي ولصديقاتي وأسرتي جميلة قوي.. وفي صورة لحضرتك في المكتب مع الدكاترة لما صورتكم آخر يوم في الامتحانات.. حضرتك لو كتبت في الباحث "أوراق ياسمين" مع اسمي بالكامل ستصل إلي مدونتي بسهولة.. أتمنى تراها وتكتب لي فيها رأيك.. - ربنا يوفقك أكيد سأراها وسأكتب تعليقات على الكلام والصور. لقد دخلت ياسمين مرحلة جديدة وطوت أيامك في كنوز سرداب الذكريات أو سلة المهملات.. مرحلة جديدة ربما تجد فيها نفسها.. وأنت دائما هكذا محطة بين الحقيقة والوهم.. الحقيقة.. هل الأدب فعلا بعيد عن الحقيقة..؟ وكيف نرى الحقائق ونفهمها ونعيشها دون كلمة؟!.. ياسمين تريد أن تعيش الحياة لا أن تسجن نفسها في كلمات.. تقول لها: - أليست البشر كلمات.. الثقافة والحياة والمشاعر وأنماط السلوك.. كل هذه كلمات..؟! - لكي نكون أحرارا في صياغة كلمتنا يجب أن نكون أحرار في اختيارات حياتنا.. يعني نكون موجودين أولا ثم تولد الكلمات من تجاربنا الحقيقية.. لكن مهما كان وجود الكلمات في حياتنا لا يغني عن وجود ناس نحبهم ونتكلم معهم بما نريد.. الكلمات تصبح سرابا حين لا نجد من يسكن معنا فيها.. تضحك وأنت تصحبها في اتجاه الباب المفتوح وتقول لها " مازلت تقولين أدبا جميلا.." فتقول لك وهي تودعك عند السلم "من عاشر القوم.. حاجات بسيطةعلى الماشي من نفسي".. تعود إلى المكتب وتقع عينك على الأوراق التي تركتها ياسمين فتتلمسها برفق وتقول "الله يرحمك يا عم منير". في المساء تفتح مدونة ياسمين فتدخل عالما جديدا لم يكن متاحا لك أبدا وأنت في سنها حين كنت تنتظر ردا لا يأتي من مجلة على قصة أو مقال.. تسافر في كلماتها وصورها وأفكارها وتصافح وجوها كثيرة وآراء مختلفة بعضها لم يخطر ببالك وتنتقل من صفحة لأخرى فتصاحب ياسمين مع كل أصحابها الحقيقين والآليين الذين تتراسل معهم وتجد في نفسك طاقة جديدة تنقل شحنات منها إلى لوحة المفاتيح السحرية التي تحمل كلماتك لأناس لا تعرفهم لكن كلماتهم تنير مساحات كان الظلام يتسلل إليها وأنت مستسلم له.. ها أنت الآن تصب نهرا من الوقود النقي في مستودع خزائنك الذي كاد يجف لكي تعود إلى جيهان فتكمل معها حديثا لم ينقطع أبدا.

الأربعاء، 12 أغسطس 2009

المعدية

دخل صافي لحجرته الصغيرة في الطابق الأول من بيت ريفي مازال مصرا على البقاء هكذا وسط الحارة, ربما يأتي يوم ويتفق الورثة ويباع البيت وتطلع مكانه عمارة كما حدث مع بيوت كثيرة, البطانية التي تحمل آثار الحرق ورائحة هيام وفزعها الأخير مازالت في يده, يجلس على الكنبة المواجهة للباب في الصالة, يشعر بتوتر وألم في رأسه, يغمض عينيه وتنزل دموعه ساخنة قطرة قطرة, كأنه يعتصر شيئا في روحه, لم يذق هذه الدموع إلا مرة واحدة من قبل, يوم موت نجاة, وقف خلف الشيش المغلق ونظر إلى خشبتها الماضية وتمتم مع السلامة يانجاة, بالسلامة ياختي, أشوفك بخير, مع السلامة,الجنازة الوحيدة التي لم يشارك فيها صافي أهل الحارة وسكان شارع مراد, هل خشى على مشاعر زوجها, هل لم يحتمل وداعها عن قرب, لا يعلم, هو الرجل الشديد الذي يخشاه كل الشارع, ربما صنفه بعض الأفندية ضمن البلطجية, وربما رآه آخرون عصب الحارةورجلها في الملمات, ياما ضرب ناسا ودوخ البوليس وخد حق مظاليم وكانت الجبابرة تطلب منه السماح, ياما شال وحط, ياما يا صافي, إلا نجاة, أول ما شافها كانت نازلة من فوق العربية النقل التي أتت بهم من الإسماعيلية زمن التهجير, عينها جت في عينه, سرح فيها ثواني, وبعدين نهض نزل معاهم الحاجة وطلعها وركب السريرين والدولاب وصلح اللمبة المحروقة, كلنا أخواتك ورجالتك ياحاجة, هي العروسة اسمها إيه, نجاة, عاشت الأسامي, نجاة, يتذكرها كلما استمع لنجاة في السادسة والنصف أو السابعة بعد أن تغني أم كلثوم في الخامسة يعدها عبد الوهاب وفريد, يسمع نجاة وينزل وهو يعيد ما كانت تغنيه, هو ووحظه, ساعات ساكن قصادي وبحبه وساعات إلا إنت, ولما قال لها تقابله عند معدية بسيمة المغربية وردت بعينيها موافقة, كان طاير من الفرح ركب المعدية ودخلت وراءه, دفع لها, لكنه لم يكلمها إلا بعد أن نزلا في الشاطئ الآخر, سارا معا في شارع أبو الفدا, مرا على فيلا أم كلثوم, ودخلا شارع الجبلاية, رأت البنات والأولاد يقفون معا على النيل, ظهورهم للشارع وعيونهم تسرح في الماء الجاري أو في الفضاء الرقيق الذي يرون فيه بشارة غد جميل يسري بها النسيم الذي يحمل الأسرار, ضحك, قال لها أول مرة أجرب حب التلامذة, حدثها عن أهله فرع فقير من عائلة كانت كبيرة وغنية, لم أدخل مدرسة, أشتغلت في حاجات كتير, مبيض محارة, في ورشة بلاط, أصل إيد العبد لله طارشة, اللي ياخد منها قلم الله يعوض عليه, لكن عمري ما افتريت على ضعيف أو مظلوم, لم يستطع أن يخبرها أنه يعرف ولاد ليل أشقياء, يطلبون حمايته أو يغطيهم في عملياتهم, أو يسوق لهم بضاعة في سوق الجمعة عند موقف التروللي, تمنى ألا تعرف أبدا هذه الأشياء, تمنى أن ينسى كثيرا من ماضيه, يمكن الواحد يقدر يعمل مستقبل لكن إزاي يعمل الماضي من جديد, قالت له إن البحر يفكرها بالقناة, يا ما مشيت مع زميلاتها في المدرسة جنبها, انزعج من كلمة المدرسة, قالت إنها خرجت من الإعدادية, وأن أمها سترفض أي عريس من غير شهادة, لكن هي مرتاحة له جدا, وإنها أول مرة تخرج مع رجل, قال لها إنه عرف ستات لكن عمره ما اتملم مع واحدة من قلبه, وإنه اتمسح من عقله كل واحدة غيرها, ويتمنى لفضل ماشي معاها على طول, لما رجع في هذا اليوم لم يأكل طعاما ولم يدخن سيجارة من علبته الفلوريدا الصفراء, ولم ينزل إلى قهوة عباس مثل كل يوم, حس إنه إنسان بحق وحقيقي, بعد أسبوع خد عم طه وراح يطلب إيدها, أمها رفضت, البنت بتاعة مدارس ياريت يكون نصيبها موظف أو حتى عامل بدبلوم صنايع في الشوربجي أو المطبعة, تزوجت بعد شهرين من فراج الذي يعمل سكرتيرا في مدرسة الوحدة العربية, خلفت تهاني, شكل أمها, قمر, بعد أسبوع من ولادة البنت الثانية أماني ماتت, وفضل صافي ينظر إلى البنتين ويتعجب من الشبه الغريب, كل واحة حتة من أمها, الله يرحمك يانجاة, الله يرحمك يا هيام

الاثنين، 10 أغسطس 2009

هيام ولعت في نفسها

منظر فظيع بالنسبة لأي شخص, لكن أنا كنت طفلا في الثامنة يدوب باتحرك في المنطقة وأدخل من الشارع للحارة أجيب لوازم الغدا أو العشا, كانت الساعة حوالي ستة, كان لسه عم عليّ مخلص آذان المغرب في جامع الأنصاري, تضغط يدي على الطبق الصاج الأخضر, والشنطة القماش الصفراء, والناس تتدافع في اتجاهين, البعض يهرب, والبعض الآخر يتجه إلى مكان الحدث, ولكن الحدث نفسه أتى إليهم مشتعلا مندفعا صارخا لايعرف إلى أين يمضي بكل هذه النار التي تلتهمه, هيام ولعت في نفسها, كانت النسوة يصرخن وقد تشنجت ملامح وجهون كأنهن يتحركن داخل مرآة رمادية صدئة, والمرأة المشتعلة تخرج من البيت الضيق الخانق إلى مراد ثم تنحرف في اتجاه البوستة القديمة وكأنها تبحث عن الطريق إلى النيل, فجأة يقفز عم صافي من الدور الأول حاملا بطانية صوف قاتمة خشنة, يحتضن الكتلة النارية ويسقط بها على الأرض في التراب, تصارع يداه النار التي امتصتها خشونة البطانية, يحملون هيام لمستشفى الموظفين, ويحضرون الماء لعم صافي الذي يتساءل: مين راح مع البت الغلبانة دي؟ كلهم, كل الستات يا صافي, نفض بس هدومك واشرب شوية مية, مش حتعيش, البنت اتشوهت يا محمود الله يحرق اللي كانوا السبب, معلهش ياصافي, أمها غلبانة حتعمل إيه ست بنات ودي الكبيرة, جوزتها للقهوجي, كل يوم يجيب صحابه الحشاشين الله يلعنهم والبت تخدم عليهم ويقرفوا فيها, زهقت يا ولداه, أسمع الحديث, ويدي ترتعش وأكاد أشعر بالوهج يخترق عيني, وصورة هيام الحائرة بنارها تقتحمني, أصل إلى محل أبو رونجي أقدم لرونجي الطبق والقروش, فيقول جبنة ومش, أهز رأسي, يقول لي تعدي عليّ بكرة نروح المدرسة مع بعض أهز رأسي, يقول أنت شفت الست المحروقة, أهز رأسي, يقول الله يرحمها بقى أبويا قال حتموت زي سنية اللي حرقت نفسها في الصيف, أنظر إلى الحقيبة الصفراء وأقول له عندك عيش, يقول لأ, خليك هنا ثانية أجيبه لك من الفرن اللي ورانا نار.

الأحد، 9 أغسطس 2009

شارعنا

شارع مراد المقصود هنا, شارعنا, ليس هو الشارع الكبير الموازي للنيل عند حديقة الحيوان في الجيزة, و تمر فيه جميع أنواع الأتوبيسات والسيارات من ملاكي وأجرة ونقل بأحجام وأشكال وموتوسكيلات وكل ما يينطلق على عجلات, لأ, شارع مراد, شارعنا, يوازي شارع النيل أيضا, ولكن عند الكيت كات, وفي هذه اللحظة أكتشف أن الشارعين في المحافظة نفسها, وأنهما موازيان لشارع النيل, هل كان الشارع زمان كبيرا ممتدا متصلا لهذه الدرجة, لا أعلم, ولكن هنا في الجيزة كان مراد, مراد الذي واجه نابليون في هذا المكان, نعم شارعنا هذا مشي فيه نابيلون وحارب, وانهزم مراد, وفضل نابيلون ماشي إلى أن وصل عند الأهرام و"أبو الهول", لذلك سأجد شارعا قريبا جدا من شارع مراد عندنا اسمه شارع بونابرت, لكن اسمه أتغير بعد ثورة يوليه إلى شارع صلاح الدين, يعني المكان الذي نمشي فيه ونشتري الخضار واللحم والسمك والزبادي والفول والجبن الدمياطي والكرنب البلدي, كان شاهدا على الحرب بين نابيلون ومراد, يعني شاف قائد الحملة وأصحابه وعساكره, يعني نحن نسير فوق التاريخ, ياه شيء رهيب, هل يشعر السائرون هنا بذلك؟ الرجال الطيبون أولاد حنفي الجزار والشربيني وأحفاد عم سالم العلاف والحاج جابر وعمر الكهربائي ومتولي الحلاق وحسن البقال والشامي الطعمجي وميلاد بائع السجاد, هل يشعرون بأن التاريخ يحيط بهم؟ الشباب الذين كانت أسماؤهم كلبظ وبلوظة وتنح وعصفورة, هل كانوا يعرفون شيئا عن نابليون وحملته؟ البنات الجميلات اللاتي لم يذهبن أبدا إلى المدرسة عايدة وراضية وحمدية وسعيدة وسميرة ونوسة, هل اهتمت واحدة منهن بالتاريخ؟