الأربعاء، 12 أغسطس 2009
المعدية
دخل صافي لحجرته الصغيرة في الطابق الأول من بيت ريفي مازال مصرا على البقاء هكذا وسط الحارة, ربما يأتي يوم ويتفق الورثة ويباع البيت وتطلع مكانه عمارة كما حدث مع بيوت كثيرة, البطانية التي تحمل آثار الحرق ورائحة هيام وفزعها الأخير مازالت في يده, يجلس على الكنبة المواجهة للباب في الصالة, يشعر بتوتر وألم في رأسه, يغمض عينيه وتنزل دموعه ساخنة قطرة قطرة, كأنه يعتصر شيئا في روحه, لم يذق هذه الدموع إلا مرة واحدة من قبل, يوم موت نجاة, وقف خلف الشيش المغلق ونظر إلى خشبتها الماضية وتمتم مع السلامة يانجاة, بالسلامة ياختي, أشوفك بخير, مع السلامة,الجنازة الوحيدة التي لم يشارك فيها صافي أهل الحارة وسكان شارع مراد, هل خشى على مشاعر زوجها, هل لم يحتمل وداعها عن قرب, لا يعلم, هو الرجل الشديد الذي يخشاه كل الشارع, ربما صنفه بعض الأفندية ضمن البلطجية, وربما رآه آخرون عصب الحارةورجلها في الملمات, ياما ضرب ناسا ودوخ البوليس وخد حق مظاليم وكانت الجبابرة تطلب منه السماح, ياما شال وحط, ياما يا صافي, إلا نجاة, أول ما شافها كانت نازلة من فوق العربية النقل التي أتت بهم من الإسماعيلية زمن التهجير, عينها جت في عينه, سرح فيها ثواني, وبعدين نهض نزل معاهم الحاجة وطلعها وركب السريرين والدولاب وصلح اللمبة المحروقة, كلنا أخواتك ورجالتك ياحاجة, هي العروسة اسمها إيه, نجاة, عاشت الأسامي, نجاة, يتذكرها كلما استمع لنجاة في السادسة والنصف أو السابعة بعد أن تغني أم كلثوم في الخامسة يعدها عبد الوهاب وفريد, يسمع نجاة وينزل وهو يعيد ما كانت تغنيه, هو ووحظه, ساعات ساكن قصادي وبحبه وساعات إلا إنت, ولما قال لها تقابله عند معدية بسيمة المغربية وردت بعينيها موافقة, كان طاير من الفرح
ركب المعدية ودخلت وراءه, دفع لها, لكنه لم يكلمها إلا بعد أن نزلا في الشاطئ الآخر, سارا معا في شارع أبو الفدا, مرا على فيلا أم كلثوم, ودخلا شارع الجبلاية, رأت البنات والأولاد يقفون معا على النيل, ظهورهم للشارع وعيونهم تسرح في الماء الجاري أو في الفضاء الرقيق الذي يرون فيه بشارة غد جميل يسري بها النسيم الذي يحمل الأسرار, ضحك, قال لها أول مرة أجرب حب التلامذة, حدثها عن أهله فرع فقير من عائلة كانت كبيرة وغنية, لم أدخل مدرسة, أشتغلت في حاجات كتير, مبيض محارة, في ورشة بلاط, أصل إيد العبد لله طارشة, اللي ياخد منها قلم الله يعوض عليه, لكن عمري ما افتريت على ضعيف أو مظلوم, لم يستطع أن يخبرها أنه يعرف ولاد ليل أشقياء, يطلبون حمايته أو يغطيهم في عملياتهم, أو يسوق لهم بضاعة في سوق الجمعة عند موقف التروللي, تمنى ألا تعرف أبدا هذه الأشياء, تمنى أن ينسى كثيرا من ماضيه, يمكن الواحد يقدر يعمل مستقبل لكن إزاي يعمل الماضي من جديد, قالت له إن البحر يفكرها بالقناة, يا ما مشيت مع زميلاتها في المدرسة جنبها, انزعج من كلمة المدرسة, قالت إنها خرجت من الإعدادية, وأن أمها سترفض أي عريس من غير شهادة, لكن هي مرتاحة له جدا, وإنها أول مرة تخرج مع رجل, قال لها إنه عرف ستات لكن عمره ما اتملم مع واحدة من قلبه, وإنه اتمسح من عقله كل واحدة غيرها, ويتمنى لفضل ماشي معاها على طول, لما رجع في هذا اليوم لم يأكل طعاما ولم يدخن سيجارة من علبته الفلوريدا الصفراء, ولم ينزل إلى قهوة عباس مثل كل يوم, حس إنه إنسان بحق وحقيقي, بعد أسبوع خد عم طه وراح يطلب إيدها, أمها رفضت, البنت بتاعة مدارس ياريت يكون نصيبها موظف أو حتى عامل بدبلوم صنايع في الشوربجي أو المطبعة, تزوجت بعد شهرين من فراج الذي يعمل سكرتيرا في مدرسة الوحدة العربية, خلفت تهاني, شكل أمها, قمر, بعد أسبوع من ولادة البنت الثانية أماني ماتت, وفضل صافي ينظر إلى البنتين ويتعجب من الشبه الغريب, كل واحة حتة من أمها, الله يرحمك يانجاة, الله يرحمك يا هيام
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

جميلة جدا هذه الكتابة ، انا بحب الكتابة اللي بتكتب عن الناس في الشارع ومشاعرهم ، بتوصف الحركة واللي راح واللي جه ... زي رواية مالك الحزين الرواية الأكثر قرباً إلى قلبي .. انا شفت هنا كتابة من نفس المنطقة .. منطقة الناس والشارع والبيوت وطعمها والحب البسيط في القلوب الفقيرة ..
ردحذفتحياتي ليك امتعتني ،
على جنب .. متشكر لزيارة حضرتك لمدونتي ..اسعدتني فعلا ، اتمنى إنها تتكرر ،
ردحذفتحياتي
شكرا لك يا محمود وستتكرر الزيارات كثيرا
ردحذف